منتدى حجر والكواكبي

لترسيخ الشورى الإسلامية


    خلافة الرسول (ص) ..... وأمرهم شورى بينهم

    شاطر
    avatar
    محمد مكي

    المساهمات : 9
    تاريخ التسجيل : 28/12/2010

    خلافة الرسول (ص) ..... وأمرهم شورى بينهم

    مُساهمة  محمد مكي في الجمعة فبراير 10, 2012 1:27 am

    بسم الله الرحمن الرحيم
    وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُم - [1]
    تمثل السيرة النبوية تياراً متصلاً غير محدود من الحكمة السياسية, فهي زاخرة بإشارات مرشدة للخط السياسي العام للمسلمين، مع وقفات حادة في شأن الأحكام الشرعية والحقوق المدنية.
    ومن الإشارات المرشدة، سعي الرسول صلى الله عليه وسلم الدائم لمواجهه الكيانات المعادية له سواء كانت بيوتا أو قبائل أو دول بما يناسب كل موقف من هذا العداء ويلائمه، مستفيدا من الأعراف والقوانين السائدة وقتها.
    فحينما تألبت سادات قريش على الرسول صلى الله عليه وسلم لما رأت فيه خطرا يهدد مصالحها، ووقفت تلك الوقفة الجبارة ضده, تصدى لهم صلى الله عليه وسلم ببني هاشم بقيادة عمة أبى طالب. وبعد موت أبي طالب استجار بالمطعم بن عدى وهو على الشرك.
    وعلى الرغم من أن قادة العمل السياسي والحربي في الإسلام كانوا معه وقتها - مثل حمزة وعلى وأبو بكر وعمر وعثمان وسعد رضى الله عنهم – إلا انه لم يقم بعمل عدائي أو يتعرض لقريش إلا بعد أن هاجر إلى المدينة وضمن مناصرة الأوس والخزرج ككيان مماثل لتلك القوة الباطشة في قريش, ولم يواجه الروم إلا بعد سيطرته على أرض أبناء معد بن عدنان كدولة.
    وفى سيرته وقف صلى الله عليه وسلم مواقف حادة في شأن الأمر [السلطة والحكم] من بعده كحق جعله الله سبحانه وتعالى شورى بين المسلمين. ومن تلك المواقف موقفة مع قبيلة بني عامر بن صعصعة فقبل ثلاث سنوات من الهجرة وبعد وفاة عمة أبي طالب وأمنا خديجة عليها السلام وعقب عودة الرسول صلى الله عليه وسلم من الطائف وقد يئس من خير ثقيف، ودخوله مكة تحت حماية المطعم بن عدى وهو على شركه مجيرا, وفى أحلك لحظات الدعوة عرض الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه على قبيلة بني عامر بن صعصعة, وجاء في سيرة ابن هشام.
    قال ابن اسحق: وحدثني الزهري أنة أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله عز وجل وعرض عليهم نفسه. فقال له رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس: قال بن هشام: فراس بن ربيعه بن سلمه الخير بن قشير بن كعب بن ربيعه بن عامر بن صعصعة: والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب.
    ثم قال له: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك, ثم أظهرك الله على من خالفك, أيكون لنا الأمر من بعدك ؟
    قال: الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء
    فقال له: أتهدف نحورنا للعرب دونك, فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا لا حاجة لنا بأمرك؛
    فأبوا علية. " (سيرة بن هشام ج 2 ص 66)
    وردت هذه الحادثة أيضا في تاريخ الطبري وابن الأثير وأشير للمقابلة في طبقات ابن سعد وتاريخ ابن خلدون. ومسندة للزهري الذي قال فيه ابن القيم في كتابة إغاثة اللهفان ص256 طبعة مكتبة الصفا. " قد تفرد الزهري بنحو ستين حديثا لم يروها غيرة وعملت بها الأمة ولم يردوها بتفرده ".
    احتوت هذه الحادثة على مسألتين:
    1- حكمة سياسية, سبق التحدث عنها.
    2- حكم شرعي، أرجو أن أتمكن من تفصيله.
    أما الحكم الشرعي فها هنا عرض مغر في اصعب ظرف مرت به الدعوة, وكانت المعاناة واضحة في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم [[ما نالت منى قريش شيئا اكرهه حتى مات أبو طالب]] (ابن هشام).
    وكذلك كان دعاؤه في الطائف [[الهم أشكو إليك ضعف قوتي, وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين, وأنت ربى, إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك على غضب فلا أبالي, ولكن عافيتك هي أوسع لي, أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح علية أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك, أو يحل على سخطك لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك]] (ابن هشام).
    في هذا الظرف الصعب والدقيق الذي فقد فيه الرسول صلى الله عليه وسلم حماية عمه أبو طالب والمساندة المعنوية المتمثلة في أمنا خديجة عليها السلام, والفرس قد أحاطوا بأرض أبناء معد بن عدنان مما اضطره إلى إلجاء نصف المسلمين وقتها إلى الحبشة, ووجوده بمكة مرتبط بإجارة المطعم بن عدى وهو مشرك. تعرض علية بيعة ونصره ومساندة قبيلة كاملة بأرضها وفرسانها ومالها, ومن رجل ينتهي نسبه إلى مكون القبيلة ويرفض الرسول صلى الله عليه وسلم في حزم ودون تردد أو تمهل مثبتا بذالك حقا لله سبحانه وتعالى ولا مجال للتهاون فيه.
    ثم نزلت الآية راسمة في إبداع الهي صفة إدارة المجتمع المسلم من بعد الرسول صلى الله عليه وسلم: [[وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ]] (سورى الشورى 38) حيث أن [أمرهم] تعني كل شؤون إمارتهم وسياستها و[بينهم] تعني كلهم. وهذا يمثل حكما إلهيا بحق المسلمين في سلطتهم لا فكاك منه، ولو كان الثمن نصرة الدعوة في ظرف لم تواجه أصعب ولا أحلك منه.
    هذا ولم يتهاون الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحق إلى أن التحق بالرفيق الأعلى وهو آخر الأنبياء والمرسلين و إمامهم, مؤكدا حكما شرعيا قضى بحق لا سلطان لبشر عليه ومسايرا لمنطق الواقع وحركة التاريخ إلى يومنا هذا.
    ثم أتت السنة النبوية موضحه الحد الأدنى لمجتمع إمارة المسلمين في قوله صلى الله عليه وسلم: [[إذا كنتم ثلاثة فأمروا أحدكم وتوكلوا على الله وتوجهوا]] (الإصابة في تمييز الصحابة). ومعلوم أن الرسول صلى الله عليه وسلم أوتى مجامع الكلم فلم يقل فليتأمر أحدكم، وإنما قال فأمروا ودون وضع أي شرط لمظهر هذه الإمارة, فلو اجتمع ثلاث نسوة مسلمات في مدينه أو قرية أو موقع جغرافي فعليهن تكوين إمارة - قابلة للإنصهار في إمارة المسلمين العامة - يصلن إلى صلاحياتها في حدود الممكن بالشورى، هذا في الحد الأدنى للمجتمع المسلم ودون حد أعلى لهذا المجتمع ودون التقييد بغير الشورى في وضع منهج أو دستور للإمارة واختيار أولي الأمر المأمور بطاعتهم في الآية قال تعالى: [[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً]] (النساء 59) ولم يقتصر بيان شأن الأمر بآيه سورة الشورى وحدها وإنما ضرب لنا المثل في (سورة الجاثية) بما كان بين بني إسرائيل وكيف انهم اختلفوا في الأمر بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم قال تعالى: [[وَآتَيْنَاهُم بَيِّنَاتٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمْ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ]] (الجاثية 17).
    وهذه الآية توضح لنا أن مخالفة فروض المولى سبحانه وتعالى في شأن الأمر كانت بغيا من بني إسرائيل.
    وفى نفس السورة نجد التفويض للرسول صلى الله عليه وسلم بالأمر في الآية: [[ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ]] (الجاثية 18).
    مما تقدم نجد أن القرآن الكريم والسنة النبوية قد وجها اهتماما وصل درجة عالية من الدقة والحزم لتأسيس المعيار الوحيد أكرر الوحيد لإدارة مجتمع المسلمين من بعد الرسول صلى الله عليه وسلم وهو الشورى، وإن التحريف في شأن الشورى نتيجته البغي, مما يؤدى إلى تفكيك الدولة وإفساد المجتمع في أي واقع سياسي. ومعلوم إن قبول العمل في الإسلام معياره الإخلاص وموافقة الكتاب والسنة ولا اجتهاد مع نص في فتوى تشريعية.
    وقد أطلق الشيخ محمد الغزالي فتوى داويه في حديثة [لمجلة الأمة – قطر] عدد رمضان 1404 " القول بأن الشورى لا تلزم أحد كلام باطل ولا أدرى من أين جاء ".

    ومن قبلة قالها الإمام مالك أنس عالية حين استفتاه أهل المدينة في الخروج مع محمد بن عبد الله بن الحسن فقال: " إنما بايعتم مكرهين وليس على المكره يمين " (ابن الأثير).
    ورفض الرسول صلى الله عليه وسلم إعطاء الأمر من بعده حين هدده عامر بن الطفيل وقال له: " أوليست لي؟ لأملأنها عليك خيلا ورجالا " (طبقات بن سعد). وسأل الرسول صلى الله عليه وسلم ربه أن يكفيه عامر بن الطفيل، فأصيب عامر بالطاعون ومات في سفرته تلك. وكذلك رفض صلى الله عليه وسلم أن يوصى بالأمر من بعده إلى أهل بيته، وهو الذي أمر المسلمين بالدعاء لهم في كل صلاة " اللهم صلى على محمد وعلى آل محمد.. اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد " (منهاج الفرقة الناجية).
    عليه فالشورى ملزمة في الأمر [السلطة والحكم]، بنصوص الكتاب والسنة وأقوال كبار العلماء قديما وحديثا, وشهادات الواقع المعاش.
    وتكون كيفيتها بالشورى أيضا, فللفهم وجوه وفى النظر الصحيح سعه.
    فالتزم بها أخي المسلم.
    والله ولى التوفيق
    محمد مكي عثمان أزرق

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد ديسمبر 16, 2018 12:14 am