منتدى حجر والكواكبي

لترسيخ الشورى الإسلامية


    مصادر التشريع الإسلامي.. الأصل والتحريف

    شاطر
    avatar
    محمد مكي

    المساهمات : 9
    تاريخ التسجيل : 28/12/2010

    مصادر التشريع الإسلامي.. الأصل والتحريف

    مُساهمة  محمد مكي في الأحد فبراير 26, 2012 10:56 am

    بسم الله الرحمن الرحيم
    مصادر التشريع الإسلامي.. الأصل والتحريف
    من المعلوم إن وضوح مرجعية التشريع وعدم تضارب منابع القرار السياسي هي مفتاح النجاح للدول والجماعات والكيانات السياسية وسبب قوتها.. وعلى هذا الأساس قام الإسلام بتفويض مرجعية تشريعية - من بعد الرسول صلى الله عليه وسلم - واضحة وعملية لا لبس فيها ولا إبهام، فقد أوجبت هذه المرجعية بفريضة لازمة.. قال تعالى في الآية 38 من سورة الشورى: [[وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ]]، وتعني أن أمر [إمارة] المسلمين شورى بينهم بلا قيد أو شرط أو ثوابت في الآية.. فهل هناك أوضح من هذه المرجعية التي أخذها الغرب في تاريخه الحديث تحت مسمى الديمقراطية ونجح بها في السيطرة على العالم حتى بعد إقصاء مؤسسة الكنيسة من حياته السياسية؟.
    هذا ونجد الحكمة من ضبط مصدر التشريع في الإسلام واضحة، وذلك لأن إطلاق سلطة التشريع للتفسير الفردي للنصوص خارج إطار المؤسسة الشرعية المتمثلة في الجمهور وولاية الأمر التي ينتخبها، يدخلنا في فوضى تشريعية وفتنة سياسية لا نهاية لها، وذلك لأن أحكام الكتاب والسنة – بالإضافة لاحتمال اختلاف الفهم حولها - تمتاز بكونها شاملة ومرنة ومتدرجة مما يوجب التعامل معها عبر مرجعية موحدة، حيث لم يجتهد عمر في خلافة أبي بكر، ولم يجمع عثمان كتاب الله سبحانه وتعالى في خلافة عمر، ولم يرتحل علي عليه السلام بعاصمة الخلافة من المدينة في عهد عثمان، رضي الله عنهم أجمعين، فسلطة التشريع الدينية والسياسية في الإسلام موحدة في يد مؤسسة إمارة المؤمنين الشرعية المنتخبة بالشورى والمنضبطة بشرط البيعة.
    وبالنظر إلى الأمة التي تركها الرسول صلى الله عليه وسلم موحدة تحت قيادة شورى أبناءها - فأنجبت الكفاءة في سقيفة بني ساعدة - كان من المفترض أن تتقدم يوماً بعد يوم في بناء مؤسساتها السياسية ومنظومتها الحقوقية بسبب إنضباط سلطة التشريع فيها، والتي لم تطلق للأفراد مهما كان علمهم وفضلهم وسابقتهم، لأن الإسلام فصل الأدوار السياسية لأفراده في إطار مؤسسي، فالفرد مهمته أن يشارك عبر الشورى بما يوافق فكره وحاجاته السياسية في وضع منهج ودستور إمارته بالرأي والإجازة لهذا الدستور عبر الاستفتاء، ومن ثم يشارك في اختيار ولاية أمره كمؤسسة تنفيذية وتشريعية تقوم بمهامها بحسب ما يشترطه عليها جمهور المسلمين، والذي هو أعلى مؤسسة مرجعية مفوضة بالأمر [الإمارة] في الإسلام. وهذا واضح من قوله تعالى: [[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ..]] . لاحظ أولي الأمر والأمر قد أوكل للشورى، ومنكم وليس من السابقين.
    وفي ممارسة عملية قام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بفرض الخراج على الأراضي الزراعية في البلاد التي فتحت في عهده ، ولم يخمسها ويقسمها كما ورد في الآية 41 من سورة الأنفال قال تعالى: [[وَٱعْلَمُوۤا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ...]] وكذلك لم يفعل كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم بأراضي خيبر . فصار قرار أمير المؤمنين هو شريعة الوقت وسنته. وهذا دليل قوي على ما ذهبنا إليه، لأن الأرض التي جعلت تحت إشراف بيت المال كانت في ما عدا الخمس من حق المقاتلين وعلى قيادتهم سعد بن أبي وقاص الذي أسلم قبل عمر رضي الله عنهم، فلو كان التشريع للنصوص لما سكت سعد وهو يمتلك النص والقوة والسابقة في الإسلام والقرابة للرسول صلى الله عليه وسلم، مما يؤكد على أن مصادر التشريع في الدولة الإسلامية هي: الجمهور كمرجعية عليا، وولاية الأمر المنتخبة كمرجعية مفوضة من الجمهور.
    ولكن بكل أسف تم تغييب مفهوم الشورى عن الحكومة الإسلامية وفقدنا مرجعية الأمة بسبب قيام الخوارج بإطلاق الفتاوى والأحكام والتدخل في خصوصيات ولاية الأمر الشرعية عبر اعتساف الرأي واجتزاء النصوص، مدعين في ذلك الحق الإلهي في السلطة تحت مسمى حكم لله الواجب النفاذ قسراً، علماً بأن هذا القول رفض صريح لحق التشريع الذي كفله الإسلام لمؤسسة السلطة الشرعية المفوضة من الجمهور.
    هذا وقد بدأ التدخل بالدين في شؤون ولاية الأمر الإسلامية باكراً عندما رفض البعض دفع الزكاة في خلافة الصديق رضي الله عنه بحجة إن النص يقول بدفعها للرسول صلى الله عليه وسلم وليس لخليفته، فحاربهم أبو بكر في التفاف رائع على محاولة الخوارج المرتدين هدم دولة الإسلام عبر الفوضى التشريعية.. ولعل هذا ما قصد إليه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بقوله: "لقد قمنا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، مقاماً كدنا نهلك فيه لولا أن الله من علينا بأبي بكر، أجمعنا على أن لا نقاتل الناس على ابنة مخاض وابنة لبون.. ونعبد الله حتى يأتينا اليقين فعزم الله لأبي بكر على قتالهم" .
    ثم خفتت بعدها المحاولات لتطل برأسها مرة أخرى في النصف الثاني من خلافة أمير المؤمنين المنتخب عثمان بن عفان رضي الله عنه، والذي قال حين ما رأى بوادر تأليب على تمرد مسلح يدور في الأقاليم: " فقد والله عبتم عليّ ما أقررتم لأبن الخطاب بمثله " . ولم تنحسر المسألة إلى النصح بالقول والمدافعة بالحجة كما قال الإسلام، ولكنها جنحت للسلاح فقُتل أمير المؤمنين رضي الله عنه. فكانت الفتنة الكبرى التي قادت تدريجياً إلى تغييب الخلافة الإسلامية وقيام دولة بني أمية على أساس الملك العضوض، الشيء الذي دفع السلف من الفقهاء المؤسسين لحجب حق التشريع عنها بسبب عدم شرعيتها، ومن ثم قاموا بحكم الضرورة بفتح قناة من الشواهد والقياسات من الكتاب والسنة وسيرة الخلفاء الراشدين لاستنباط أحكام وقواعد تكون مخرجاً شرعياً للمعاملات في المجتمع، أي الفصل الرسمي بين الدين والدولة القائمة على السيف، ومن هنا تحولت مصادر التشريع في الإسلام بحكم الضرورة لمتتالية الكتاب والسنة والقياس والاجتهاد.
    وبمرور الزمن نسي الناس الشورى كمصدر أساسي للتشريع في الإسلام، مما فتت مرجعية المسلمين بين آلاف الفقهاء وملايين الآراء، وقد بلغ الأمر حداً وصفه الأستاذ حافظ عبد الرحيم في كتابه [الخطاب الشرعي في المسكوت عنه] بقوله: ".. كل العلوم الإسلامية وأصولها الثلاث: العقيدة والتفسير وأصول الفقه قد مسها الرأي في مقتل، وأصبح الرأي هو الأساس ولا يلجأ للنص إلا للاستدلال.. ومن أجل هذا أقدم الدعوة لإحياء نصوص القرآن والسنة، ورفع مظلة الدين عن آراء العلماء، فإذا لم يتم ذلك تدخل هذه الأمة فيما دخلت فيه الأمم السابقة، وتغطى النصوص بطبقة كثيفة من الآراء فتندثر وتتوارى عن تيار الحياة لتصبح للتلاوة واحتساب الأجر من عند الله سبحانه وتعالى". وصدق الأستاذ الشيخ ففي مثال واضح أضحت الشورى التي هي أساس المنهج السياسي الإسلامي في عداد المهجور رغم توافر النص الفارض لها.
    عليه فإن القول بأن مصادر التشريع في الإسلام هي متتالية الكتاب والسنة والقياس والاجتهاد، هو قول تنقصه الدقة لأن الكتاب والسنة حصرا مصدر التشريع في شورى الأمة والمؤسسات المنبثقة عنها، وقد كان تدخل العلماء في السابق من باب الضرورة التي يجب أن نسعى لإزالتها واسترجاع مصادر التشريع الصحيحة، "حتى تكون لنا الفرصة في إعادة الصياغة الفكرية للعالم بالفعل لا بالأوهام الذاتية والاحتيال الأيديولوجي على الإرث الديني للأمة" .. ومن هنا فالباب مفتوح في الإسلام أمام الحرية التشريعية المنضبطة بالمؤسسات السياسية لفتح آفاق التقدم الإنساني الحقيقي الذي ينشده العقلاء، فليس التقدم في امتلاك الطائرات وتسخير الكهرباء لأن هذه أدوات يمكن استيرادها جاهزة، ولكن الإنجاز الإنساني الحضاري في أساسه الحقيقي هو ما يتعلق بالجانب الحقوقي للإنسان وضمان تطوره، مما يحتم على المسلمين اليوم العمل الجاد لاستعادة مؤسسات الشورى والتعاطي معها كمصدر أعلى للتشريع الإسلامي.

    محمد مكي عثمان أزرق
    www.islamshoora.com

      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس يونيو 21, 2018 9:04 pm